أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
64
شرح مقامات الحريري
بعض الأدباء : كان رجل من أهل الأدب ، قد ذهب عقله بالمحبّة ، [ وخلفه دابة تدور معه ، فاستوقفته ] وقلت له : يا أبا فلان ، ما حالك ، وأين النعمة ؟ قال : تغيّر قلبي بالحبّ فتغيرت النعمة ، ثم بكى وأنشأ يقول : [ البسيط ] أرى التجمّل شيئا لست أحسنه * وكيف أخفى الهوى والدّمع يعلنه أم كيف صبر محبّ قلبه دنف * الشوق ينحله والهجر يحزنه وإنه حين لا وصل يساعفه * يهوى السلوّ ، ولكن ليس يمكنه وكيف ينسى الهوى من أنت فتنته * وفترة اللحظ من عينيك تفتنه فقلت : أحسنت واللّه ، فقال : قف قليلا ، فو اللّه لأطرحنّ في أذنيك أدبا أثفل من الرصاص ، وأخفّ على الفؤاد من ريش النعام ، فوقفت ، فأنشد : [ البسيط ] للحبّ نار على قلبي مضرّمة * لم تبلغ النّار منها عشر معشار الماء ينبع منها في محاجرنا * يا للرّجال لماء فاض من نار ! وأنشد أيضا : [ المتقارب ] أعاد الصدود فأحيا الغليلا * وأبدى الجفاء فصبرا جميلا وأحسب نفسي على ما ترى * ستلقى من المهجر غمّا طويلا وأحسب قلبي على ما بدا * سيذهب مني قليلا قليلا قال الحسن بن هانئ : رأيت مانيا الموسوس فأنشدني : [ الخفيف ] شعر حيّ أتاك من لفظ ميت * صار بين الحياة والموت وقفا قد برت جسمه الحوادث حتّى * كاد عن أعين البريّة يخفى لو تأمّلتني لتبصر شخصي * لم تبيّن من المحاسن حرفا ثم أتيت جعيفران الموسوس ، وهو شيخ كبير من بني هاشم ، عليه قطيفة ، وفي عنقه غلّ من ذهب ، فقال : من أين جئت يا حسن ؟ فقلت : من بيت مانوية : فقال : في حر أم مانوية ! وقال لي اكتب : [ البسيط ] ما غرّد الديك ليلا في تنبّهه * إلا حثثت إليك السّير مجهودا ولا هدت كلّ عين لذّ راقدها * بنومة في لذيذ العيش ممهودا إلا امتطيت الدّجى شوقا إليك ولو * أصبحت في حلق الأقياد مصفودا أسعى مخاطرة بالنّفس يا أملي * والليل مدّرع أثوابه السّودا فلم ترقّ ولم ترث لذي دنف * زودته حرقات القلب تزويدا هيهات لا غدر في جنّ ولا بشر * من الخلائق إلا فيك موجودا